الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

312

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى * وكما علمت شمائلي وتكرّمي وجملة : يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا في موضع الحال من الْإِنْسانَ [ البلد : 4 ] وذلك من الكبد . وجملة : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ بدل اشتمال من جملة يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لأن قوله أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً يصدر منه وهو يحسب أنه راج كذبه ، على جميع الناس وهو لا يخلو من ناس يطلعون على كذبه قال زهير : ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم والاستفهام إنكار وتوبيخ وهو كناية عن علم اللّه تعالى بدخيلته وأن افتخاره بالكرم باطل . و لُبَداً بضم اللام وفتح الموحدة في قراءة الجمهور وهو جمع لبدة بضم اللام وهي ما تلبد من صوف أو شعر ، أي تجمع والتصق بعضه ببعض وقرأه أبو جعفر لبدا بضم اللام وتشديد الباء على أنه جمع لابد بمعنى مجتمع بعضه إلى بعض مثل : صيّم وقوّم ، أو على أنه اسم على زنة فعّل مثل زمّل للجبان وجبّإ للضعيف . [ 8 - 10 ] [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 8 إلى 10 ] أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) تعليل للإنكار والتوبيخ في قوله : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [ البلد : 5 ] أو قوله : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ [ البلد : 7 ] أي هو غافل عن قدرة اللّه تعالى وعن علمه المحيط بجميع الكائنات الدال عليهما أنه خلق مشاعر الإدراك التي منها العينان ، وخلق آلات الإبانة وهي اللسان والشفتان ، فكيف يكون مفيض العلم على الناس غير قادر وغير عالم بأحوالهم قال تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] . والاستفهام يجوز أن يكون تقريريا وأن يكون إنكاريا . والاقتصار على العينين لأنهما أنفع المشاعر ولأن المعلّل إنكار ظنه إن لم يره أحد . وذكر الشفتين مع اللسان لأن الإبانة تحصل بهما معا فلا ينطق اللسان بدون الشّفتين ولا تنطق الشفتان بدون اللسان . ومن دقائق القرآن أنه لم يقتصر على اللسان ولا على الشفتين خلاف عادة كلام العرب أن يقتصروا عليه يقولون : ينطق بلسان فصيح ، ويقولون : لم ينطق ببنت شفة ، أو لم ينبس ببنت شفة ، لأن المقام مقام استدلال فجيء فيه بماله مزيد تصوير لخلق آلة